فوزي آل سيف
135
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
وأما الرواية الأخرى، التي تروى عن ابن عباس: أن الله أوحى إلى نبيه داوود، أن قل للظالمين: لا يذكرونني ما داموا ظالمين. أي لا ينبغي منهم الذكر. ليذهبوا ويتركوا الظلم، ويذكروا ربهم فيما بعد ولو بمقدار الاستغفار منه. لماذا؟ لأنه توجد قاعدة حسب هذه الرواية، وهي: أن الله يقول: إذا ذكرني أحد ذكرته.[302]أي: أنا أذكر المؤمن بإيمانه، والمحسن بإحسانه، والمتصدق بصدقته، فأثيبه. أما هذا الظالم، فبماذا أذكره؟ إن ذكرته فلابد أن أذكره بظلمه. فإذا ذكرته بظلمه حلت عليه اللعنة فالأفضل له أن يذهب سريعًا، ويتخلص من الظلم، حتى يذكر ربه وهو غير ظالم. ذكرنا هذين الحديثين؛ ليكونا مدخلا للحديث عن الظلم في حياتنا القريبة، أعني الأسرية. ذلك أن قسمًا منا حين يتم الحديث عن الظلم مثلا يتبادر إلى ذهنه ظلم فرعون لبني اسرائيل أو ظلم أو ظلم يزيد وبني أمية أو حتى بعض الحاكمين المتسلطين في هذه الأزمنة!! كلا.. بل يقال لهذا انظر في داخل دائرتك القريبة منك لا تبتعد وتغوص في أعماق التاريخ أو تُنجد أو تُتهم[303]في الجغرافيا! فقد تكون أشكال من الظلم متحققة فيك ومن حولك! فلنعرض بعض الأمثلة: 1/ الزوجان في الأسرة، يمكن أن تكون العلاقة بينهما عادلة، كما يمكن أن ظالمة بمعنى أن أحدهما ظالم فيها، والآخر مظلوم، ومن أشكال تلك العلاقة الظالمة قيام أحد الطرفين بالإساءة اللفظية إلى شريكه، كشتمه أو السخرية منه أو الصراخ في وجهه، وهذه الاساءة لا جنس لها، فكما يمكن أن تكون من الزوج يمكن أن تكون من الزوجة، إحداهن كانت تتشكى، وتقول: أن زوجي أبا فلان لا يسميني إلا البقرة. "قومي يا البقرة، وقعدي يا البقرة، وجت البقرة، وراحت البقرة"، وأنا أبدي له أني لا أرتاح إلى هذا، فإما أن تسميني باسمي العادي، أو أم فلان.. ولا ريب أن هذا ظلم وإيذاء متعمد لمؤمنة وهو يستوجب العقوبة الالهية! أو أن يخاطبها بـأمثال ذلك (يا غبية، يا حمقاء، يا حيوانة..) أو لو فعلت هي ذلك معه! وأسوأ من ذلك عندما تتعدى الإساءة اللفظية إلى أن تكون قذفًا بما هو معروف من ألفاظ القذف ونسبة الفاحشة، فهذا بالإضافة إلى كونه ظلمًا هو مع توفر شروطه يوجب الحد الشرعي.[304] وبالرغم من أن الكثير من النساء المؤمنات يصبرن على هذه الاساءات، فلا يرددن على أزواجهن، ولا يصعدن درجة المواجهة، حفاظًا منهن ـ جزاهن الله خيرًاـ على بقاء الأسرة، وألا يتشتت أطفالهن، وهنا يحصلن على ثواب نظير ثواب أسية بنت مزاحم التي صبرت على أذى فرعون (مَنْ صَبَرَتْ عَلَى سُوءِ خُلُقِ زَوْجِهَا، أَعْطَاهَا اللهُ مِثْلَ ثَوَابِ آسِيَةَ بِنْتَ مُزَاحِم) كما في الحديث. إلا أن هذا لا يعني أن الطرف الظالم ينجو بفعلته تلك من الحساب الالهي. وقد يكون الأمر ـ ولو في أحيان أقل ـ من طرف بعض الزوجات السيئات، عندما يكون الشتم والإساءة اللفظية لزوجهن هو العمل اليومي لهن.. فهذا أيضًا ظلم للزوج واعتداء عليه. 2/ وأسوأ من هذا، الظلم بالتعدي بالضرب. وهذا لا يزال موجودًا ـ للأسف ـ في بعض البيئات الاجتماعية، وإن كان أقل مما كان في السابق؛ نظرا لمعرفة الناس، أن ضرب الزوجة والاعتداء محرم
--> 302 قد تشير إليها (فاذكروني أذكركم) وإن كان ربما يستشكل في شمول الآية لهذا المورد أن الآية هي في موضع الامتنان والرحمة دون المورد. 303 يقال: أنجد أو أتهم يعني قصد منطقة نجد أو تهامة! 304 ) مر الكلام في حد القذف وما يترتب عليه.